عبر السنين مع بللى جريهام

بقلم منير بشاى

       فى يوم الاربعاء 21 فبراير 2018 فارق عالمنا الى عالم الخلود الواعظ الشهير بللى جريهام الذى يعتبره الكثيرون واحدا من أكبر الوعاظ تاثيرا فى تاريخ المسيحية.  ولد بللى جريهام لأسرة بسيطة فى ولاية نورث كارولينا وكان والده مزارعا وكان وهو تلميذ صغير يوقظه فى الساعة 2:30 فى الفجر ليحلب 20 بقرة كل يوم قبل ان يذهب للمدرسة. ولكن الله اكرم هذا الشاب ليكبر ويصبح مشهورا ويصير صديقا شخصيا ومستشارا روحيا للعديد من الرؤساء الأمريكيين.

توفى بللى جريهام عن عمر يناهز التاسعة والتسعين عاما وكان احباؤه يجهزون للاحتفال بعيد ميلاده المئوى ولكن كانت ارادة الله ان يتم ذلك الاحتفال فى الفردوس.  كانت آسرته الى جواره وقت وفاته وقال ابنه فرانكلنجريهام ان اباه كان فى كامل وعيه حتى اللحظات الأخيرة من حياته.  وقد ناقش جريهام ووافق على تفاصيل دفنه، وعندما سأله ابنه عن ماذا يريد ان يكتبوا على الحجر الذى سيوضع فوق مقبرته قال "أكتبوا فقط: الواعظ بيللى جريهام".  وكان هو من أوصى من قبل  بعمل الصندوق الذى سيددفن فيه وكان ذلك فى سنة 2005 حيث طلب من المساجين فى احد السجون التى زارها ووعظ فيها ان يعملوا له ذلك الصندوق.

أول معرفتى عن الواعظ الشهير بللى جريهام كانت فى بداية الخمسينات من القرن الماضى.  كنت وقتها فتى صغيرا فى مدينة اسيوط وكان هو شابا فى الثلاثينات من عمره.  كوّن جريهام فريقا للتبشير مبتدئا من لوس انجلوس حيث عقد الاجتماعات فى خيمة وذاع صيته وتداولت وسائل الاعلام اخبار الاجتماعات التى زادت عددا عن ان تتسعها قاعة كنيسة.  انتقل بللى جريهام الى لندن وزادت شهرته حتى ان الاجتماعات عقدت فى اكبر استاد فى المدينة وكان ممن حضروا الاجتماعات ملكة انجلترا نفسها.

بعد انتقالى للدراسة الجامعية فى مدينة القاهرة شاهدت فيلما متحركا لبللى جريهام عرض بالجامعة الامريكية وكانت هذه اول مرة ارى صورا له وهو يعظ وكانت اقرب ما تكون للحقيقة.  أسرنى اختياره العبقرى للافكار التى كانت تلمس قضايا العصر مع القدرة العجيبة على تغليفها بغلاف دينى جذاب بعيد عن الافراط او التفريط .  رأينا واعظا يبدأ عظته بالكلام عن مباراة للكرة تشغل تفكير الناس او حدثا سياسيا او اجتماعيا يتكلمون فيه ثم يخرج عن هذا ببراعة ليتكلم فى الدين.  هذا  الاسلوب استخدمه السيد المسيح نفسه عندما كان يكلم الناس مستخدما امورا تمس حياتهم اليومية.  فمرة كلمهم عن الزارع والبذار وانواع الارض ومرة أخرى كلمهم عن امرأة خبأت الخميرة فى الدقيق ومرة عن التاجر الذى باع كل ما عنده ليشترى لؤلؤة كثيرة الثمن.  وعندما التقى بامرأة جاءت الى البئر تطلب الماء قال لها اعطينى لأشرب فاعطاها هو الماء الحى.

كان بللى جريهام يتكلم ببساطة غير مخلة وسلاسة تجعل السامعين يصغون لكلامه بشغف ونهم.  وكان ايضا صوته الجهورى ونظراته الثاقبة وحركات يديه البالغة الحماس دون افتعال او مبالغة.  ومن كثرة اعجابى بطريقته فى الوعظ كنت اقف أحيانا امام المرآة لأقلده.  ولكننى سرعان ما عدلت عن هذه الفكرة بعد أن ادركت انه لا يمكن ان يوجد غير بللى جريهام واحد (ههههه).

        بعد هجرتنا الى امريكا تحقق حلمى ان اراه شخصيا وأسمعه على الطبيعة حيث عقد اجتماعاته مرة فى اورانج كونتى وعدة مرات فى لوس انجلوس وذهبنا لتلك الاجتماعات.  وتناولت محطات الاذاعة الدينية أخبار تلك الاجتماعات.  وحدث فى يوم من الايام أن جريهام سقط على الارض وسبب له هذا الما جسمانيا شديدا.  وعرض عليه الاطباء استعمال المسكنات للتخلص من الألم ولكنه رفض حتى لا يؤثر ذلك على سرعة بديهته وحضوره الذهنى وادائه المعهود.  ووقف بللى جريهام فى تلك الليلة ليعظ وكتم الألم بداخله وكأنه لا يعانى من شىء.

        أدرك بيللى جريهام ان عنده موهبة الوعظ عندما كان تلميذا صغيرا وتاخر الواعظ المكلف عن موعده فطلبوا منه ان يلقى العظة.  بعدها لكى يدرب نفسه على الوعظ كان جريهام يلقى عظاته على الاشجار والطيور.  وتقول الاحصائيات انه فى حياته قد وعظ جريهام ما يقرب من 200 مليون انسان فى اكثر من 185 دولة.  وقد كسر جريهام حاجز الطائفية فلم يخدم لحساب طائفة أو مذهب ولكن كان ياتى بالنفوس للمسيح ثم ينصحهم ان يذهبوا لكى يعبدوا كل فى كنيسته الخاصة.

        السهل الممتنع الذى تميزت به عظاته ظهر أيضا فى كتبه وقد كتب بللى جريهام حوالى اربعين كتابا كان أولها كتاب "سلام مع الله" وآخرها كتاب عن "السماء". وزعت هذه الكتب ملايين  النسخ واتت بدخل كبير ولكن جريهام قرر من البداية  ان لا ياخذ شيئا من ايراد هذه الكتب بل يذهب كله للعمل الكرازى.  قرأت بعض هذه الكتب كما قرأت بعض ما كتبه هو او ما كتبه الآخرون عنه من مقالات.  وكان لى شرف ان اقدم تأملات لمجموعة من الأصدقاء فى درس الكتاب المقدس وكان الموضوع "الروح القدس" وكانت التأملات مبنية على احد كتب بللى جريهام.

        احسب نفسى محظوظا أننى عشت فى عصر ذلك الرجل العظيم لأراه واسمعه شخصيا.  ولكن لمن لم يروه مثلى فبللى جريهام ما يزال وسيظل يعيش معنا.  وكما قال هو عن نفسه "فى يوم من الايام ستسمعون ان بللى جريهام قد مات، لا تصدقوا الخبر لأننى سأكون وقتها اكثر حياة من أى وقت مضى.  الذى حدث هو اننى قد غيرت فقط مكان اقامتى".

        سلاما لروحك الطاهرة يا رجل الله لقد آن الوقت ان تستريح من تعبك وجهادك الذى لم تقتل فيه انسانا ولكن رديت كثيرين الى حياة البر والتقوى والايمان.  آن الوقت أن تنعم بالمجازاة مع من سبقوك الى الأمجاد وسيكون نجمك لامعا فى وسطهم "وَالْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ كَضِيَاءِ الْجَلَدِ، وَالَّذِينَ رَدُّوا كَثِيرِينَ إِلَى الْبِرِّ كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ." (دا 12: 3)

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.


2014 united copts .org
Copyright © 2018 United Copts. All Rights Reserved.
Joomla! is Free Software released under the GNU General Public License.